أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
178
تهذيب اللغة
ما أَبهَمَ اللَّه . قلت : وقد رأيتُ كثيراً من أهل العِلم يذهَبون بمعنى قوله : أَبهِموا ما أبهمَ اللَّه ، إلى إبهام الأمر واشتباهِه ، وهو إشكاله واشتباهه ، وهو غَلَط . وكثيرٌ من ذَوِي المعرفة لا يميّزون بين المُبْهَم وغيرِ المُبهم تمييزاً مُقنِعاً شافياً وأنا أُبيّنه لك بعون اللَّه وتوفيقه ؛ فقولُه جلّ وعزّ : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ) [ النِّساء : 23 ] هذا كلُّه يسمَّى التحريم المُبهم ، لأنه لا يحِلّ بوجهٍ من الوجوه ولا سببٍ من الأسباب ، كالبهيم من ألوان الخيل الذي لا شِيَةَ فيه تُخالفُ معظمَ لونه . و لمّا سُئل ابنُ عباس عن قوله : ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) [ النِّساء : 23 ] ، ولم يبيِّن اللَّه الدُّخولَ بهنَّ ؟ أجاب فقال : هذا من مُبهَم التحريمِ الذي لا وَجْهَ فيه غير التحريم سواءٌ دخَلتم بنسائكم أو لمْ تدخلوا بهنّ ؛ فأُمَّهاتُ نسائكم مُحرّمات من جميع الجهات . وأما قوله : ( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) [ النِّساء : 23 ] فالرّبائب هاهنا لسن من المبهمَة ، لأنّ لهنَّ وَجْهين مُبَيَّنين أُحْلِلْنَ في أحدهما وحُرِّمْن في الآخر ، فإذا دُخِل بأمَّهات الرّبائب حَرُمَتْ الرَّبائب ، وإن لمْ يُدْخَل بأمَّهات الرّبائب لم يَحرُمْنَ ، فهذا تفسيرُ المُبهَم الذي أراد ابنُ عباس ، فافهمْه . أخبرني المنذريُّ عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ أنه أنشَدَه : أَعْيَيْتَنِي كلَّ العَيا * ءِ فلا أَغَرُّ وَلَا بَهِيمُ قال : يُضرَب مَثَلًا للأمر إذا أَشكل ولم تَتّضِح جِهَتُه واستقامتُه ومعرفتُه ، وأنشد في مثله : تفرّقتِ المَخاضُ على يَسارٍ * فما يَدرِي : أيُخْثِر أمْ يُذِيبُ وقال الليث : بابٌ مُبهَم : لا يُهتَدَى لفتحه إذا أُغْلِق ، وليلٌ بَهيم : لا ضوءَ فيه إلى الصّباح . وقال ابن عَرَفة : البَهِيمة : مُسْتَبْهِمَةٌ عن الكلام ، أي مُنْغَلِقٌ ذاك عنها ؛ ويقال : أبهمتُ الباب ، إذا سَدَدْتَه . وقال الزجّاج في قوله جلّ وعزّ : ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ) [ المَائدة : 1 ] يعني الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام ، وإنما قيل لها بهيمة الأنعام لأنّ كلّ حيّ لا يُميِّز فهو بَهِيمة ، وإنما قيل له : بهيمة لأنه أُبهِم عن أن يميِّز . قال : وقيل للإبهام الإصبع : إبهامٌ ؛ لأنها تُبْهِمُ الكَفّ : أي تُطبِق عليها . قال : وطريق مُبْهَم : إذا كان خفيّاً لا تستبين . ويقال : ضرَبَه فوقع مُبْهماً : أي مغشيّاً عليه لا يَنطِق ولا يميِّز . وقال الليث : البَهْمة : اسمٌ للذكر والأنثى من أولاد بَقَر الوَحش والغنم والماعِز ، والجميع البَهْم والبِهَام ، والبَهْم أيضاً : صِغارُ الغَنَم . وقال أبو عُبَيد : يقال لأولاد الغنم ساعةَ تَضعُها من الضأن والمَعْز جميعاً ذكراً أو